Créer un site internet

أين أخوك

أيقونة قايين وهابيل

 

 

عظة للأب أنطوان يوحنّا لطّوف

 

مرجع النص البيبلي: (تكوين 9:4)

 

سألَ اللهُ قاين: "أين أخوك؟" فقال: "ألعلّي حارسٌ لأخي"؟

"فقال الله ها إنّ صوت دماء أخيك صارخٌ إليّ من الأرض. ملعونٌ أنت من الأرض التي فتَحت فاها لتقبل دماء أخيك من يدك. وإذا حرثتَ الأرضَ فلا تعطيك قوّتها. تائهًا شاردًا تكون في الأرض" (تكوين 9:4-12).

ونحن جميعًا نسلُ قاين، وجميعُنا شعارُنا: "ألعلّي حارسٌ لأخي"؟ الحضارة البشريّة هي حضارة قاين، وهي قائمةٌ على الحسد والحقد والطَّمع والخِداع والزنى والقتل ومَعصية الإله.

دماءُ قاين تجري في دمائنا جميعًا، وإن كان قاين قد قتلَ مرّةً، فنحنُ نقتُل مرّات بعدواتنا وحقدنا ونميمتنا واستغلالنا للآخر وظلمه وهدر حقوقه وانتقامنا منه. ولا يحدُث هذا على صعيد الأفراد وحسب، بل وعلى صعيد المؤسسات والشعوب.

وأقوال الوجوديّين المـُلحدين تعكس اللامبالاة القاتلة، اللاأخلاقيّة والعديمة الإنسانيّة التي أورثنا إيّاها قاين: "هذه مشكلتك وليست مشكلتي. تدبّر أمرك بنفسك. لا يهمّني. لستُ معنيًّا بشيء. فليهتمّ كلّ امرئ بما يعنيه". وبالنَّتيجة فلا أحد يكترث لأحد، ويبقى المرء وحيدًا، ويعاني العواقب التي عاناها قاين: الشرود والتّيهان وشحّ الموارد وانعدام القُدرة والهـُزال النفسيّ والفقر الروحيّ المدقع.

اللامُبالاة قتلٌ وموتٌ، ولذلك جاء يسوع بسؤالٍ ينقُضُ سؤال قاين. فعندما مات لعازر سأل يسوع: "أين وضعتموه؟ وجاشَ صدرُه واضطربت نفسُه ودَمعت عيناه، فقال اليهود أنظروا أيّ محبّةٍ كان يُحبّه" (يوحنّا 33:11-36). فمُقابل تنصّل قاين من أُخوَّتِه لهابيل وعدم اكتراثه وبرود محبّته، يُظهِرُ يسوع المحبّة القُصوى.

هذا الحبّ الإلهيّ لم يُعطَ للعازر فقط، بل للحضارة البشريّة برمّتها، ليشفيها من حضارة قاين المتَّسمة باللامبالاة والحقد والحسد والطَّمع والأنانيّة والقسوة والقتل والانتقام والظلم والاستغلال، ويحلّ محلّها حضارة المحبّة والمغفرة والمصالحة والتّضحية والاهتمام. إنه الحبّ الذي يُعزّي ويشفي ويُقيم الموتى، فلا يبقى الإنسانُ تائهًا وشاردًا وملعونًا وعديم القُدرة.

ومقابل موقف الوجوديّين الملحدين، العديم الإنسانيّة والمتنصِّل من المحبّة، الذي بلغَ حدّ الإفلاس الأخلاقيّ والروحيّ، يدعو يسوع البشريّة، وكلًا منّا، ليس فقط أن لا نبغض أحدًا، بل أن نحبّ أعداءنا، لأنّ الله في نهاية حياتنا سوف يحاسبنا على الحبّ. فالله سوف يسأل كلَّ إنسان، مهما كانت فلسفته في الحياة والحضارة التي ينتمي إليها: "أين أخوك الذي حقدتَ عليه وأهملتَه وقتلتَه بحسدك وحقدك وطمعك وظلمك ولامبالاتك"؟

وفي مقابل تحرّك أحشاء يسوع لموت لعازر، يقول يوحنّا الإنجيليّ: "مَن أغلقَ أحشاءَه في وجه أخيه، كيف تُقيم محبّة الله فيه" (1 يوحنّا 17:3)؟ ففي الدّينونة الأخيرة تُحشَدُ أمام الربّ جميع الأمم. وهو سوف يجعل نفسه في مكان والجائع والعطشان والمريض والعريان والمحبوس والغريب، ويجعل كلّ إهمال ولامبالاة وتقصير وإغلاق أحشاء بوجه هؤلاء تقصيرًا بحقّه وانتقاصًا من محبّته هو (متى 31:25-46).

وأوّل من تلحقهم الدّينونة هم القائلون: "هذه مشكلتك وليست مشكلتي. تدبّر أمرك بنفسك. لا يهمّني. لستُ معنيًّا بشيء. فليهتمّ كلّ امرئ بما يعنيه"، ومن وراء ذلك يمارسون الحقد والحسد وقسوة القلب وإهمال الأرملة واليتيم والمتألم والمحتاج والمريض والعجوز والمعاق.

وإن كان شعارُ قاين "ألعلّي حارسٌ لأخي" هو علّة هؤلاء، فهذا القول هو علّة حضارتنا الرّاهنة برمّتها، وعلّتُنا نحن أيضًا. فلينظُر كلّ منّا "أين وضع" قريبه وجاره الذي أهمله وأغلق أحشاءه في وجهه بلامبالاة وبرود كليّين، وليذكر أنه بفعلته هذه "لا تقيم محبّة الله فيه"، وأنه بحاجةٍ لأن يتوب ويعود إلى محبّة المسيح الإله، التي فيها وحدها الحياة والخلاص.